
كبورتريه مفعم بجماليات الضوء لروبنز كانت تقبع في ذلك الركن المفضل من المقهى مستندة بظهرها للجدار .. لم يكن هناك من شيء في الطاولات المتسخة والمقاعد المتهالكة ينجح في تصدير الأمل .. لولا عيناها تحدقان في المدى بإصرار الانتظار ..
في وقت مضى .. وعلى مسافة جرح من الجرح .. أكدت لأنثى العنكبوت معنى أن ينتظر المرء في الفراغ لاجدوى الأحلام .. وكيف انه وقتها تتساوي جميع الاحتمالات .. تتساوى بصورة تخرج بالممكن من دائرة الواقعي ليعانق الخيالي فينسكب المشهد بأكمله ركيكا يبعث على الغثيان .. عادة ما توخزني مثل تلك الأفكار كألم أسنان وقح يعلن عن نفسه فجأة بمنتصف الليل لكنه سحر الاعتياد !
- عيناكي دافئتان ..
هذا ما لم تسمعه من شفتيّ .. لكنها قرأته بلهفة عينيّ لمعانقة هذان القمران الزبرجديان السابحان بفضاء ابيض
- هل تدرين ؟ كنت حقا معجبا بك منذ اللحظة الأولى .. الصدام الأول .. المزحة الثقيلة الأولى .. وشكرا لكي فعلا كونك منحتي الحياة فرصة ثانية كي تجرب لذة لقائنا
- الأمر لا يستحق .. لكن .. أتدري ؟ نعم معك حق !
تبتسمين وابتسم .. تضحكين .. فأغيب أنا في تفاصيلك تزرع بهجة حقيقية بحقول دهشتي
خمنت طويلا ان "بينيلوب" كانت نادرة الجمال .. وبرغم ذلك حاولت مرارا أن اصدق ما اختار " اوديسيوس" مواجهته في سبيل عودته ولم استطع .. حتى في سبيل مملكته المسلوبة .. هل كنت سأغامر بدخول العالم الآخر من اجل اقتناص الزهرات المقدسة ؟ اغلب الظن أنني كنت سأستقر بقاع نهر المجون حيث تغمس السيرانات أردافها الفضية في غواية الموت
عالمك له سحره غير الأسود .. استلابا ورديا .. وبرغم وفرة عوالمي .. فإنني دوما قادرا على اقتناص الاختلاف .. فكرت كثيرا في تفاصيلك الرديئة اعترف .. وهي رديئة لأنها تمعن عني في الاختباء .. ترى .. هل سيستوعب مدى جنونك رغبتي الأولية في تذوق منبعك ؟ في أن أخبرك بأفضل برهان غير فلسفي لماهيّة وملامح الشبق ؟
يقول البعض ان "هوميروس"لم يكن أعمى .. ويتحججون بدقة وصفه لسهول ومدن وجبال .. لم يكن ذلك يوما دليلا كافيا لديّ .. وأنا الذي جربت كثيرا أن أتلصص بعتمة الغياب .. عندما تتمايلين كزهرة لوتس مقلوبة وقت هبوب رياح اللقاح فتورق ظلالك على حوائط معابد قديمة تحتلين المدى فيهرع كهنة البغاء المقدس يلتقطون عملات استقرت بين فخذي آخر امرأة منحت سرها لأول غريب .. لا تزعجني حقيقة أنني لست الأول .. وتنجحين في منحي الشعور بأنني لست غريبا .. لكنني اعترف ( ثانية ) أنني اشتهي أن أكون الأخير .. وان تكوني
مازلت لا اصدق كيف اتهم أهل ليسبوس "سافو" المتفردة بمجون الشذوذ .. تري هل كانت تلميذاتها بتلك الدرجة المؤلمة من الروعة ؟
الدعم .. عنفوان المشاركة .. الوصايا البنفسجية .. الاستلاب المتبادل .. كلها تدرجات متفاوتة على معراج اليقين بجدوى الموائمة .. عندما أخبرتني لم اندهش لكنني أعلنت عن إعجابي
- قراءاتك تطمئني .. كتاباتك تبهجني .. استعدادك الحقيقي وانفتاحك يؤكد لي صواب الاختيار
كل شيء تماما كما جاء بتفاصيل الحلم .. وتلك حقيقة مفزعة !
دوما ما كنت اغرق في حيرتي ثم اردد لها :
- كيف تجرئين على منحي السر وأنتي لا تهتمين بمواقعة حرائقي المعلنة ؟ دوما كنت ادعوها لاقتراب مختلف .. ثم أعود لأغيب قبلها في اجترار الاعتياد .. في هوس ازرعه بأحشائها ويسكني كحريق .. في انطراح طوعي للعقل في سبيل الإنعتاق .. كانت كبدر لم يكتمل معلقا بسماء حائرة .. وكنت أنا كقوس قزح لا تمل غواية ألوانه أبدا عن إلحاح الممازجة .. كنّا بعبقرية التواطؤ المشترك نمضي .. لكنني كنت اعرف أنني بلحظة ما .. شهقة ما .. سوف يغلبني احتياجي لبدر مكتمل !
يدعي "هوميروس" ان "اوديسيوس" عندما أراد النجاة من سحر نداء عرائس البحر قام بصب الشمع في آذان بحارته بينما قام هو بربط جسده إلى صارية سفينته .. هل تساءل أحدكم يوما لماذا ؟ لأنه منذ البداية لم يستطع مقاومة سحر أن يجرب هذا السحر .. إنها بإسقاط غير متفلسف تجسيد لشهوة المعرفة
عندما قررت أن أقترب في رداء الحياد كنت أدرك جيدا مدى عمق الهاوية .. ورغما عن ذلك وفي رعونة صانع أعمى للساعات لم اهتم كثيرا لحقيقة أن البشر لا يقبلون على اقتناء ساعات تتراجع عقاربها للوراء .. ولا يفضلون ساعات الرمل إلا على طاولات تزين قاعات لم يعد يرتادها احد .. صانع أعمى مصلوب بين تروس صدئة يعبأ أنينها المدى .. تردد بلا يأس وبلا أمل :
- لا وقت للوقت .. ولا مسافات للبعد !
"شكرا لك":
godfather, infinity space, السياب, دولباخ, 2mehdialgeria, ARAK