( 3 )
تابع بدايات التحريم ..تستند النواهي والزجرات النبوية عن الجدل واعمال العقل الى النص الاعلى وهو القرآن كمرجعية وحجة في آن واحد ..
الجدل مساوي تماما للكفر .. او هو احد مظاهره !وردت كلمة الجدل ( ومشتقاتها ) حوالي ( 17 ) مرة في مواضع وايات لسور مختلفة من القرآن ..
الا انها كانت جميعا تحمل نفس الحكم الالهي وهو التخطيء والنقد والتكفير !
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا
سورة الكهف .. آية 54
يقول تعالى: ولقد بينا للناس في هذا القرآن ووضحنا لهم الأمور وفصلناها كيلا يضلوا عن الحق ويخرجوا عن طريق الهدى, ومع هذا البيان وهذا الفرقان الإنسان كثير المجادلة والمخاصمة المعارضة للحق بالباطل إلا من هدى الله بصره لطريق النجاة.
تفسير ابن كثير
رغم الاعتماد هنا على افضل التفاسير القرآنية المتاحة واعلاها مكانة لدى المسلمين الا ان التفسير نفسه يظل بحاجة الى تفسير !
اولا .. اذا كان القرآن بالفعل يحوي بين ضفتيه الاجابات الصحيحة والكافية للتساؤلات الممكن ورودها بذهن المتلقي .. فلماذا اذن يشعر ذلك المتلقى باستمرار احتياجه الى المزيد .. وبالتالي يلجأ الى التساؤل والجدل !
ثانيا .. ما فائدة ان تفصل الحقائق والايات بالكتاب وان تخلق للانسان عقلا .. ثم يظل الوصول الى الصواب مرهونا بالمشيئة الالهية .. اي من هدى الله بصره !
ثالثا .. الا توحي جملة ( وكان الانسان اكثر شيئا جدلا ) بانطباع خطير كون تلك الجدلية المقيتة بالانسان هي من صميم صفاته وهي في نفس الوقت خارجة عن الرضا الالهي !
خلق الله كل واي شيء لعلة وغاية .. فلماذا خلق الانسان مجادلا اذا ما كان هذا الجدل نفسه حجر عثرة في سبيل وصول رسالته اليه !
عقل .. ام غرائز !وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا
سورة الكهف .. آية 56
قال تعالى: {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين} أي قبل العذاب مبشرين من صدقهم وآمن بهم, ومنذرين لمن كذبهم وخالفهم, ثم أخبر عن الكفار بأنهم {يجادلون بالباطل ليدخصوا به الحق} أي ليضعفوا به الحق الذي جاءتهم به الرسل, وليس ذلك بحاصل لهم, {واتخذوا آياتي وما أنذروا هزواً} أي اتخذوا الحجج والبراهين وخوارق العادات التي بعث بها الرسل وما أنذروهم وخوفوهم به من العذاب {هزواً} أي سخروا منهم في ذلك وهو أشد التكذيب.
تفسير ابن كثير
لو جال بخاطرتك افضلية استبدال او اضافة كلمة ( مقنعين .. مبرهنين ..... ) الى ( مبشرين .. منذرين ) لكنت قد وقفت تماما على مأساة العقل في الاسلام !
تعطي تلك الاية نموذجا كاملا عن منهجية التعاطي الاسلامي مع متبعيه .. التبشير والانذار .. اي الاغراء والاغواء والوعد من جهة .. والتخويف والترهيب والوعيد من جهة اخرى .. وتبدو كلمات من قبيل الاقناع .. البرهان .. الاثبات غائبة على الدوام من مشهد الخطاب الالهي !
فهل يصبح من التطرف القول بأن الاسلام دين يخاطب في الانسان الغرائز وليس العقل !
هذا على الرغم من ان الحديث لم يتطرق بعد الى الحور العين وانهار العسل والخمر .. وتلك سيكون معها وقفة اكثر تفصيلا بما يتفق مع سياق البحث ..
بالطبع فأن الرد الجاهز كمقولة معلبة من اربعة عشر قرنا سوف يتمسك بحقيقة كون الدعوة الى التعقل والتفكر والتدبر قد ملأت صفحات القرآن في غير موضع ..
الا ان النظرة المتفحصة الى طبيعة ذلك الامر ( الجميل ) سوف تكشف لنا عن كونه في حقيقته مفرغا تماما من فحواه المنطقي ..
وذلك موضوع الحلقة القادمة .